تشكل الارتفاعات المتكررة لإيجارات السكن في البلاد أزمة حقيقية تواجهها الأسر المختلفة، فالإيجارات التي زادت %20 خلال 6 أشهر فقط تلتها تقريبا %50 من دخل المستأجر، فيما يتبقى نصف دخله لبقية متطلبات حياته.

 

بين عشية وضحاها وفي غضون فترة قصيرة جداً ارتفعت أسعار الإيجارات بمعظم مناطق البلاد لتقفز بنسبة تزيد على %20 عما كانت عليه في الماضي القريب.

 

في مناطق بعينها، لم تكن المشكلة في الارتفاع فقط وإنما في ندرة المعروض من الشقق للإيجار، وهو ما دفع الكثير من الراغبين في الحصول على سكن للبحث في تلك البنايات التي يتم بناؤها حالياً لمحاولة حجز شقق فيها.

 

الارتفاعات الكبيرة كانت سبباً مباشراً في إرهاق ميزانية الأسر والعزاب على حد سواء بعدما أصبح إيجار الشقة يلتهم وحده قرابة %50 من الدخل أو يزيد أحياناً، وهو أمر أربك الكثيرين مع دخول موسم المدارس، إذ أجبرت الكثير من الأسر على البحث عن مساكن أرخص من تلك التي تقيم فيها منذ سنوات لتوفير جزء من الإنفاق لبنود أخرى في الميزانية.

 

اللافت أن عملية الانتقال من سكن أراد صاحبه زيادة إيجاره إلى آخر أقل تكلفة لم تفلح مع الكثيرين الذين فوجئوا بأن المعروض لا يلبي الاحتياج، إذ بات سعر الشقة المكونة من غرفة وصالة هو سعر تلك المكونة من غرفتين قبل ثلاثة أو أربعة أشهر فقط.

 

أبوسالم يتقاضى راتباً قدره 800 دينار نظير عمله بالتدريس، أما نفقاته فيتم توزيعها على هيئة 150 ديناراً قسط سيارة حصل عليها منذ عام من الوكالة و200 ديناراً للسكن ومثلها أو أقل للطعام وهو ما يعني ان نفقاته الحالية تشكل نحو %60 من دخله بخلاف ما يستجد بين فترة وأخرى كشراء ملابس وغيرها من النفقات الموسمية.

 

وزاد بأنه بات من المألوف أن تزيد معاشات العاملين بالقطاع الحكومي يعقبها ارتفاع في الأسعار، لكن المشكلة هنا أن العاملين بالقطاع الخاص لا يحصلون على أي زيادة، لكنهم فقط يتحملون الارتفاعات المتتالية سواء في إيجارات السكن أو الأطعمة أو الملابس.

 

 

شقة مناسبة

هاني يوسف محاسب يقطن بمحافظة حولي يحكي أنه اضطر لظروف خاصة إلى ترك شقته التي يقطن فيها بنهاية الشهر الجاري، وهو ما اضطره إلى البحث عن أخرى بديلة ليسكن فيها هو واثنان من أصدقائه.

 

يقول هاني انه ظل لمدة 4 ساعات يبحث عن شقة مناسبة من دون جدوى! إذ فوجئ بأن أقل شقة مكونة من غرفة وصالة تُؤجَّر بـ 200 دينار، وهو أمر يصعب تصديقه، لأن الشقة لا تتحمل سوى سكن فردين فقط، وهو ما يعني أن كلا منهما عليه أن يدفع شهرياً 100 دينار للسكن فقط، بما يعني أن أكثر من %30 من راتبه يذهب للسكن، بل وربما أكثر من %50 لدى آخرين.

 

ويضيف: لم أترك بناية جديدة إلا وذهبت إليها، على أمل ان أجد فيها شقة بسعر مناسب إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل بعدما أصبح مألوفاً أن يخرج الحارس ليخبرك أن تأجير البناية الجديدة يتم الانتهاء منه بالكامل، ربما قبل ان تنتهي أعمال التشطيب ذاتها حتى إن أحدهم اخبره أن تأجير بناية قريبة منه مكونة من 60 شقة لم يستغرق ساعة زمن.

 

 

انعدام الخصوصية

أمام إحدى البنايات في حولي أيضاً خرج المهندس محمود علي ليقف في الشارع بحثاً عن نوع من الخصوصية لإجراء مكالمة مع أسرته اقتربت منه وسألته عن رأيه في الإيجار أخبرني ان تلك الأزمة هي سبب وقوفه في الشارع حالياً، إذ بات يفضل السير في الشارع لبعض الوقت بدلاً من زحام الشقة التي اضطر الى القبول به لتقليل نفقات السكن.

 

وأضاف: صاحب البناية رفع الإيجار بشكل كبير ولم يكتف بذلك! بل انه حوَّل المدخل الى استديوهات وغرف صغيرة، يؤجّرها لمن يرغب وهو ما جعل الحياة بهذا الشكل شبه مستحيلة، الأمر الذي دفعه جدياً للعودة مرة أخرى الى عمله في مصر، نظراً الى تقارب ما يحصل عليه هنا بما يحصله هناك في ظل تزايد موجة الغلاء في كل شيء، وليس في تكاليف السكن فقط!

 

 

الإيجار والراتب

علاء ابراهيم مدرس باحدى المدارس الخاصة، اخبرنا ان السكن الذي يقيم فيه حالياً يلتهم اكثر من %50 من راتبه، وهو ما دفعه الى التفكير في التخلي عنه واعادة اسرته الى مصر مرة اخرى لتوفير هذه التكلفة لبند آخر من بنود الانفاق.

 

يضيف: خلال عدة اشهر فوجئت بارتفاع ايجارات السكن في المنطقة المحيطة، وحين حاولت معرفة السبب لم يكن هناك سوى امرين اولهما ان كثيرا من المقيمين استدعى افراد اسرته وفضلوا الاقامة في الكويت في ظل حالة عدم الاستقرار التي تعيشها غالبية البلدان العربية، اما الامر الثاني فيتمثل في زيادة المعاشات في القطاع الحكومي خلال الفترة الماضية، وهو ما دفع اصحاب السكن الى زيادة الايجار للحصول على جزء من الكيكة.

 

 

رحلة شاقة

لم تكن شكوى البعض كافية ل‍ القبس، لذا حاولنا تقصي الامر بأنفسنا عبر البحث عن شقة في مناطق حولي وميدان حولي والسالمية لعدة ساعات، كان اللافت ان بعض حراس البنايات علقوا لافتات صغيرة امام غرفهم كتب عليها «لا يوجد شقق للايجار» تفادياً للازعاج الذي يسببه الباحثون عن سكن.

 

ابو احمد حارس بناية بشارع موسى ابن نصير اكد لنا ان مالك العقار قام برفع ايجارات جميع الشقق خلال الشهر الجاري، سواء تلك التي انتهت عقود مستأجريها او لم تنته بزيادة قدرها 10 دنانير لتلك التي لم تنته عقودها، و20 للجديدة، وهي زيادة بسيطة بحسب قوله مقارنة بالزيادة في البنايات المجاورة والتي تراوحت بين 30 - 40 دينارا لكل شقة.

 

 

أزمة عقارية

وارجع ابو احمد سبب الاقدام على تلك الخطوة بوجود ازمة كبيرة في سوق العقارات منذ عدة اشهر نتج عنها عدم كفاية المعروض لاحتياجات السوق بسبب استقرار كثير من الأسر ورفضها للسفر الى بلدانها حتى في فترة الصيف بسبب عدم استقرار اوضاع تلك البلدان، بل واستقدام بعضهم لباقي افراد الاسرة للاقامة ولو بشكل مؤقت.

 

لفترة قصيرة تخيلنا ان بإمكاننا الحصول على شقة في المنطقة المجاورة من خلال البحث سيرا على الاقدام، لكن النتيجة كانت اما اسعار مرتفعة جدا واما عدم وجود شقة مكونة من غرفة وصالة بأقل من 200 دينار، لذا قررنا تغيير الخطة والبحث في مكان آخر.

 

توجهنا الى القطع البعيدة، طرقنا غرف كثير من الحراس فكانت الاجابة واحدة «لا يوجد لدينا، ولا تتعب نفسك بالبحث في تلك المنطقة!»، سألت احدهم عن تلك البناية الجديدة التي لم يمض على انشائها سوى فترة وجيزة، اجابني ضاحكا «لا تذهب اليها فقد قام الحارس بتأجيرها في وقت قياسي!».

 

انطلقنا الى ميدان حولي المشهد نفسه - تقريبا - الجميع قام برفع اسعار التأجير، الحراس يتحدثون اليك اما بنوع من التعاطف لحالتك واما باشمئزاز، لانك أقلقت راحتهم، وكأن كلا منهم يرفع شعار «أنا البيه البوّاب»، في احدى البنايات اخبرنا الحارس بعدم وجود شقق للايجار طوال موسم الدراسة، ونصحنا بألا نبحث بالقرب من المدارس، اما ايجار الشقة لديه فكان 330 ديناراً للشقة المكونة من غرفتين.

 

 

أسعار البيع

في السالمية كان المشهد اشد صعوبة، وهو ما اتضح من حديث صديق لنا اخبرنا ان صاحب البناية قام برفع الايجار للشقة المكونة من غرفتين منذ 4 اشهر ليصبح 240 دينارا بدلا من 220، لكنه لم يكتف بذلك، بل قام برفعه ثانية ليصبح 270 دينارا من دون اي مراعاة لظروف السكان.

 

لم يقتصر الامر على الايجار فقط، بل انتقل ايضا الى اسعار البيع والشراء، اذ ارتفعت أسعار الشقق خلال الفترة الوجيزة الماضية بنحو %30، بحسب أبوعلي مدير أحد المكاتب العقارية الذي أكد لنا أن السبب هو قلة المعروض وعدم كفايته للطلب المتزايد على شراء العقارات في السوق المحلي، بالإضافة إلى وجود مشكلة قانونية، خاصة بأحد البنوك الكبيرة العاملة في سوق العقارات جعلت الإدارة عاجزة عن التعامل مع ما تملكه من عقارات كثيرة لديها.

 

 

شراء الأغراض.. أولاً

الغريب أن من يقطنون في شقق ويريدون تركها قبل انتهاء مدة العقد قاموا باستغلال الأزمة، وذلك عبر عرض إمكانية التنازل عن الشقة شريطة قيام المستأجر بشراء العفش، وهو ما حدث مع أحد الباحثين عن شقة حين فوجئ بإعلان عن شقة غرفة وصالة بقيمة 150 ديناراً، شريطة قيام المستأجر بدفع 180 دينارا أخرى قيمة الأغراض الموجودة!

 

 

«البيه البوَّاب».. واستغلال الأزمة!

كثير من حراس البنايات تقمصوا شخصية الراحل أحمد زكي في فيلم «البيه البواب» فهم يستغلون الأزمة بطلب مقابل مادي يصل الى 100 دينار مقابل توفير الشقة لمن يريد. أما من لا يوجد لديه شقق فقد علق لافتة «لا يوجد غرف للإيجار» على باب غرفته تجنبا للإزعاج.

 

القبس